عمر فروخ
41
تاريخ الأدب العربي
وكثر العيّارون « 1 » في العهد البويهيّ وانتشروا وقوي أمرهم ، ولكن أخبارهم تطالعنا في الأكثر في بغداد . والذي يبدو أن العيّارين كانوا في الأصل نفرا من المعدمين الكارهين للعمل وبذل الجهد المنتج فآثروا أن يحصّلوا معاشهم بالتشرّر وبالسلب والغصب . ولمّا كثروا وقووا أصبحوا طبقة اجتماعية مقسّمة فرقا لكلّ فرقة رئيسها . وكثر عيثهم حتّى أصبحوا يفرضون سلطتهم على الأغنياء والتجّار ويقاومون رجال الشرطة ويتغلّبون عليهم في بعض الأحيان . ومع أن العيّارين قد تلبّسوا أحيانا بمظاهر دينية أو سياسة ، فإنّهم كانوا في الواقع جماعات من المفسدين الذين ينتهزون ضعف الحكّام وفوضى الأحكام فيسلبون أو ينهبون أو يقتلون ، إذا احتاجوا إلى القتل ، في سبيل الحصول على أسباب المعاش . الخصائص الأدبية بلغ الشعر خاصّة منتهى قوّته قبل أن يطلّ القرن الخامس للهجرة ( الحادي عشر للميلاد ) . وإذا نحن استثنينا الشريف الرضيّ ( ت 406 ه ) وأبا العلاء المعرّيّ ( ت 449 ه ) - وهما من نتاج القرن الهجريّ الرابع ( لأنّ ، الشريف الرضيّ لم يدرك من القرن الخامس سوى بضع سنوات ، ولأنّ أبا العلاء كان يطبع شعره على غرار المتنبّي ) - لم نجد في القرون التالية للقرن الهجري الرابع من يبلغ في ابتكار الأغراض والمعاني وفي صحّة اللغة ومتانة الأسلوب ولا في استشراف الآفاق الإنسانية والعقلية من نقرنه بالمتنبّي ( ت 354 ه - 965 م ) والبحتري ( 286 ه ) وابن الرومي ( ت 283 ه ) وأبي نواس ( ت 199 ه - 813 م ) . لقد كان في القرن الرابع الهجريّ شعراء مكثرون ، ولكنّ الشعراء المكثرين والشعراء المقلّين على السواء قد اشتهروا بالقصيدة والقصدتين وبالمقطوعة والمقطوعتين ، كأبي الفتح البستيّ ( ت 401 ه ) وأبي الحسن التهامي ( ت 416 ه ) وابن زريق البغداديّ ( ت نحو 420 ه ) - ان صحّت قصّته - ومهيار الديلميّ ( ت 428 ه ) .
--> ( 1 ) العيار ( القاموس 2 : 98 ) : الذكي الكثير التطواف .